“الموهبة” من دعائم صناعة الأدب

693016-262018195

متابعات_ هيا مسالمه 

عُشرها إلهام، وتسعة أعشارها جهدٌ وتعب!
هكذا وصف الكاتب المسرحي برنارد شو المَوهبةَ الأدبية
.. عُرفت الموهبة في تراثنا بـ”الطبْع”، وعنها قال ابن الأثير: صناعة تأليف الكلام من المنظور والمأثور تفتقر إلى آلات كثيرة. وملاكُ هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تُغني تلك الآلات شيئاً. ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد، والحديدة التي يُقدحُ بها، ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تُفيد تلك الحديدة شيئاً!
وفي هذا الصدد، وبأسلوب أدبي جميل، يخاطب الدكتور إبراهيم الكيلاني صديقه -في كتابه “الأوراق”- قائلاً:
واعلم يا صديقي أنَّ صناعة الأدب تقوم على ثلاثِ دعائم: الموهبة، والاكتساب، والأُسلوب، فما هي هذه الموهبة التي يتحدث عنها الناس، فيُنْزِلونها منزلة الأصل من الفرع؛ بل الرُّوح من البدن؟!
إنها الشمس التي يشع ضياؤها في ديجور نفسك، هي ذلك النسيم الذي يحمل إليك الحنين والتَّطَلُّع إلى المجهول، هي الهزَّة التي تعتريك إزاء منظَرٍ جميل، أو لوحة فنية رائعة، هي الثورة الجامحة التي تغلفك أمام مآسي الظلم والاستبداد، هي الدفعة الصاعدة من أعماق كِيانك، تسوق في طريقها الدمع إلى عينيك، والقُشَعْريرةَ إلى جِلْدك عند سماع خُطبةٍ صادقةٍ، أو قصيدةٍ مؤثّرةٍ، أو نغمٍ حزينٍ، هي تلك القُوَّة الخفيَّة التي تحول دون انغلاق أبواب نفسك وذهنك، فتدعها مفتوحة على مصاريعها لكل فكرة خيِّرة أو مَثَل أعلى، أو عمل نبيل، هي تلك النفحة العلوية التي ترفعك فوق صخب الدنيا، وصراع البقاء الدامي، وحقارات البشر لتعيش هنيهات في أجْواء المحبَّة والتَّسامُح والعطاء، هي ذلك الصوت الخافت، الذي يهمس بإلحاح في أُذُنَيْكَ كلَّما استَفَاضَتْ نَفْسُك بما رأت وسمعت وشعرت، قائلاً: اكتب، اكتب، اكتب.
ولا تتوهَّمن أن هذه الحماسة المنشودة عند المشتغلين بصناعة الأدب تفرض عليك تصيُّد الخواطر العابرة، والأحاسيس الآبقة، والمشاعر المُنْسَابة عَبْرَ الحياة النفسية؛ فإنَّ في هذا إرهافًا للأديب، وتوزُّعًا لقلبه، وتبديدًا لطاقته المبدِعة؛ بلْ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تكُون في بعض ساعات وَحدتك، في ليلك ونهارك واعيًا، تَجمَع إلى الحماسة الرَّويَّةَ، وإلى الثورة التَّأمُّلَ، وإلى الفَيْضِ التَّدَبُّرَ، وإلى الخيالِ الجَامِحِ العقلَ النفَّاذ من خلال الحُجُب والظواهر الخادعة، إلى حقائق الأشياء وبواطن الأمور.
واعلم يا صديقي أن لعالمنا الذي نعيش فيه وجهين: وجهًا جميلاً، مشرقًا، ضاحكًا يحمل على التفاؤل والإقبال والعطاء، ووجهًا قاتمًا، دميمًا، مليئًا بالأخاديد التي حفرتها الآفات النفسية، والعاهات الخُلُقية؛ من حِقْدٍ ولُؤْم وحسد ونذالة، فلا تدع هذه البشاعات والحقارات، وأنت في مُستَهَلّ حياتِكَ الأدبِيَّة، تَحْمِلُ إلى قَلْبِكَ اليَأْس مِنَ الإِنْسان، وغير ذلك من المثبطات، التي تحبب إليك القعود والانهزام، وتَحُول دون سيرك قُدُمًا نحو تكامل الذات، وتفتُّح الأصالة.
واعلم أنكَ منذ رضيتَ أن تكون أديبًا، قد ألزمت نفسك بحَمْل أعباء الرسالة، التي قد تنوء تحتها، أو يثقل عِبؤها منكبَيكَ، فأنت ينبوع نميرٌ للعطاش، وخبز شهيٌّ للجياع، وجمرةٌ متقدة للمقرورين، وألقٌ ساطعٌ للضالّين على طريق الوجود…



أترك تعليق

*