الإبداع.. ما هو؟ ما ضوابطه؟

٢٠١٧١٢٠٩_٢٢١٩٣٧

متابعات _ هيا مسالمه _

هل يجوز أنْ ينطلق نشاطٌ من أنشطة المسلمين بعيدًا عن ضوابط الشريعة الإسلامية التي لا تغفلُ أيَّ جانب من جوانب الحياة؟
ألا يُعدّ هذا الهدم – في زمنٍ تتكالب فيه الأمم على هذه الأمة – عملاً تآمريًّا خبيثًا يجب أنْ يخضع للعقاب والمساءلة؟

ألا يجب أن يتمّ الحفاظُ على هُويّةِ الأمّة من الذوبان أو التشويهِ أو الضياع، خاصة إذا ما كان الخطرُ يهدّدُ البنيةَ الثقافية والثوابتَ العقَديّة التي لا تقوم الهوية بدونها؟

ألا يجب أن تُسنّ قوانينُ رادعةٌ تجعل تلك الأقلامَ الملحدةَ النافرة من هدى الرحمن تفكّر آلاف المرات قبل أن تتناولَ الذات الإلهيّة بغير الاحترام اللائق بها والإجلال الذي يجب؟

هل وصلَتِ المهانةُ بهذه الأمة أن غدت ساحتها الثقافية مرتعًا لكلّ ملحدٍ فاجر وخبيثٍ ضائع؟! وكأن الانكسار السياسيَّ والعسكري يُغري بالافتراس على الموائد الثقافية؟؟

كيف وصل الحالُ ببلاد المسلمين أنْ أصبحتْ تمنح أموال الشعب الكادح المطحون مكافاة سخيّةً لكلِّ من يستجلب على الأمّة غضبَ الرحمن ويضعها تحت طائلة وعيد الله تعإلى؟! ((إنَّ اللهَ سَريْعُ الحِسَابِ)).
لماذا يتمُّ تنصيب (الإبداع) صنماً في الساحة الثقافية والأدبية؛ إلا إذا كان ذلك تمهيداً لتغطية ما يقومون به من جرائمَ ثقافيةٍ؟
لماذا – في كل العالم – تَسنُّ الدولُ من القوانين والضوابط ما تحمى به دعائم حضارتها – وأولها الثقافة – بينما يرى المبدعون لدينا أنّ دليل (إبداعهم) هو (نسفُ الدعائم الحضارية)؟!
كتب الأستاذ (محمود أمين العالم)، في جريدة الأهالي الصادرة في 1/3/1995، مقالاً بعنوان “حق الاستلهام من النصّ المقدس”؟! .واستخدم فيه لفظةَ إبداع وكلمة مبدع ما يزيد على العشر مرّاتٍ وهو يناصر حقَّ أيٍّ كان في استخدام ما يريد من العقيدة للتعبير عن فكره، بدون قيود، لأن الإبداع (يُغتال) بالقيود!!

وحتى لا يتحول الإبداع إلى صنم يغترّ به الغافلون..لابدّ من إبراز هذه الحقائق:

* ما هو الإبداع؟

بدعَ؛ المبتدِع؛ البِدْعُ هو الأمر الذي يكون أولاً والذي بلغَ الغاية في كلّ شيء.
البدعة: هي الحدث في الدِّين بعد الإكمال، أو ما استُحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال.
وعرّفها علماء مصطلح القرآن الكريم بأنها إنشاء صنعةٍ جديدة بلا احتذاءٍ ولا اقتداء.
وجاء في ص89 من كتاب adictionary at the social sciences، وهو قاموس إنجليزي – فرنسي – عربي، ما يلي:
“هو عملية ينتجُ عنها عملٌ جديد يُرضي جماعةً أو تقبلُه على أنّه مُفيد، ويتميز الإبداع بالانحراف بعيدًا عن الاتجاه الأصلي والانشقاق عن التسلسل العادي في التفكير إلى تفكير مخالف كُليّة”.

وفي الصفحة 219: “إيجاد أيّ عنصرٍ ثقافي جديد في الثقافة الماديّة وغير المادية بحيث يختلف نوعيًّا عن الأشكال القائمة، ويتضمن ذلك: الاكتشافَ والاختراع، وممّا يساعد على الإبداع الاتصالُ الثقافيّ، وقد يقصد بهذا الاصطلاح التجديد، أي الخروجُ عن الوضع السائد والتكيُّف مع الموقف المتغيّر”.

وجاء في القاموس العصري الحديث، انجليزي – عربي: “الإبداع هو: الخلق، الإيجاد، التكوين ، الابتكار”.

وجاء في قاموس مصطلحات علم النفس: “الإبداعيّة هي النزعة نحوَ الإبداع، والتخيُّل الإبداعي هو نوع من التخيُّل المثمر”.

وجاء في سيكولوجية الإبداع: “الإبداعُ عمل يؤدي إلى حلولٍ مستندة إلى الواقع لما نشعر به من مشكلاتٍ، أيْ بمعنى الوصول إلى حلول يمكن تحقيقها في عالم الواقع”.

وفي كتاب: مبادئ علم النفس العام: “قد يكون الإبداع عبارة عن تأليف جديد أو تصوير جديد لأشكال قديمة، فالمبدع قد يستعير أفكارًا من غيره لكنه يوظفها توظيفًا جديداً ويرى فيها معاني جديدة ودلالاتٍ لم يسبقه إليها أحد”.

جاء في سيكلوجية الإبداع، للدكتور عبد الرحمن عيسوي: “ليستْ عمليةُ الإبداع في جوهرها سوى ضربٍ من التحرّر من قيود الزمان والمكانِ والتجديدِ لما هُوَ في سلوك الناس، وفكرهم والمبدع يستعير من الماضي لكنه ليس أسيراً له”.

وهكذا تصبح هذه التعريفاتُ في حدّ ذاتها متاهةً لابدّ لاجتيازها من سؤال خطير:
ما الميزان الذي ستعتمده الأمة أو مجموعة الأفراد لتطلق على عمل ما لفظ (الإبداع)؟
وهل تقبل به كما هو؟ أو ترده إلى مرجعية تحفظ لها مقومات وجودها العقَدِيّ والقيميّ والدنيوي كذلك؟
 هل تقبل أي أمّة أن تصبحَ في مهبِّ الريح (الإبداعية) تذهب بها وتجيء دون المرور بعملية التقييم حتى تستقيم الحياة؟

وإذا كان أمر الإبداع يغدوْ هيّنًا – نوعاً ما – إذا تعلق بالإبداع العلمي (طب ، زراعة ، ذرّة، علوم فضاء).. لأنه يقوم على حقائق مادية متعارف عليها، فإنه يغدو خطيرًا إذا تعلق بالإبداع الفكري (فن،أدب، شعر، قصة، رواية) لأنه إبداعٌ يمسُّ الأمة كلها وقد يطال – كما هو الحال الآن – الثوابتَ والمرتكزات العقائدية، لذا لابدّ له من ثوابت يعود إليها منصاعًا راغمًا، وموازين راسخةٍ يخضعُ لها طوعًا أو كرهاً، خاصة إذا ما أضفنا أن الإبداع الأدبيَّ يخضع في مجمله للعامل الوجداني والثقافي والبيئي للمبدع.

يقول د.عبد الرحمن العيسوي في كتابه سيكولوجية الإبداع: العامل الوجداني أكثرُ أهميةً من العوامل العقلية البحتة في إنتاج الروائي والفنان والقصصي عامة.

فما الذي يجبر الأمة كلها على تلقي مثل هذا الإبداع الذي يصبغها بحالة وجدانية شخصية بحتة ترتبط بصاحبها وتتغير بتغير ظروفه النفسية والحياتية المتقلبة؟
وإذا وجدنا الأمم الأخرى – التي لا تملك ميزانًا منزهاً عن الهوى – تلجأ إلى سنِّ قوانينَ تحمي عقائدها المنحرفة؛ فالأَولى بأمة الهدى والإسلام أن تعود إلى ما قاله ربُّها عند الاختلاف: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. [سورة النساء، الآية 58].
ولا يستطيع عاقل أن يقول إنّ على الأمة أن تسلّم قيادها دون نقاشٍ لكلِّ مبدعٍ ولكلِّ إبداعٍ يذهب بها بعيدًا عن الشرع أو العقل أو يوغل بها في الأوحال والتلوث الفكري والأخلاقي دون أنْ يوقفه أحد!
إنّ أيّ إبداع يخالف موازيين الشرع ليس في نظر المسلمين إلاّ الزيغ والضلال وسوء الخاتمة…

والمرجعية التي نطالب الجميع بالعودة اليها ليستْ من وضع بشر، بل هي الهداية الإلهية، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (تركتُ فيكمْ ما إن تمسّكتُمْ بهِ لنْ تضِلُّوا بعدي أبدًا: كتابَ اللهِ وسُنّتي).
فإذا ما عُدنا بكل إبداعٍ إلى الكتاب والسُّنة فذاك هو الإيمان، ولا فأيُّ إيمانٍ هو؟ {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ}. [سورة النور، الآية 48].

يقول محمود العالم: “من الأليَقِ أنْ تكون مرجعية الحكم على الأعمال الأدبية من داخل كلِّ مجالٍ إبداعي يقوم به المتخصصون في كلّ مجال مع ضمان تمثيل مختلف الاتجاهات”.
وهذه العبارة مثال للتضليل المنمق الجميل الذي فضح نفسه فيما بعد…!

فمثالٌ حيٌّ لهؤلاء المتخصصين مَنْ منحَ الشاعر (!) حلمي سالم جائزةً مالية ضخمة على تصويره لله تعالى (والعياذ بالله): بما لا يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى..!! وهاهي المحكمة تحكم بسحب الجائزة من هذا المفسد الذي لا يستطيع أن يستشعر أسماء الله الحسنى ويتدنّى حسه الإيماني -ربّما- إلى ما دون حسّ الهندوس و السيخ..!
عفوًا إذنْ إن رفضنا مقاييسكم للإبداع أعني (الإلحاد)..!
ومرحباً بالإبداع الحقيقي الذي يرتقي بميادين مترديةٍ كثيرة، كالطب والزراعة والهندسة… وحبذا علوم الفضاء!
سلوى عبد المعبود محمد قدرة



أترك تعليق

*