الأدب الإسلامي والإبداع الفني

23

متابعات _ هيا مسالمه _

يدعي بعضُهم أن الأدبَ الإسلاميَّ يحول بين الأديب وبين الإبداع الفني الذي يحقق المتعةَ للقارئ؛ فهو أدبُ وعظٍ وإرشادٍ فقط، وأقول: إن الذين يطلقون هذه المقولة لا يبحثون عن الحقيقة بحثًا علميًا جادًا، وإنما يتأثرون -غالبًا- بما يشاع ويقال. ولكي نناقش هذه القضية لا بد أن نعرف أولا ماذا يقصدون بكلمة الإبداع؟ وهل يفهمون من هذه الكلمة ما نفهمه نحن؟ وإذا كان لهم فهم آخر فمن أين جاءوا به؟ وبعد ذلك يحق لنا أن نُعرِّجَ على الأدب الإسلامي وموقفه من الإبداع الحقيقي الذي حاولوا طمسَه وتحريفَ معناه لحاجة في نفوسهم.

* الإبداع الذي يريدون:
من القضايا التي يكثر الإلحاح على طرحها في هذا الوقت تلك المسماة بـ (مسألة الإبداع)، ويجري طرحها عادة من زاوية الزعم بالحرص على حرية وطلاقة التأليف والتعبير الأدبي والفني؛ لأنه -فيما يقال- يؤدي إلى تقدم وخير الأمة، وعادة ما يأتي طرحُ هذه القضية والدفاع عنها من جهاتٍ ومنابرَ لم يُعهد عنها اهتمامٌ يذكر بالإسلام وبقضاياه. والإبداع عند أصحاب هذا الطرح له قدسية وحصانة مطلقة لا تعلو عليها أي اعتبارات أخرى، وهم يروجون هذا القول بأنه لا يحق لأحد أن يحجر على هذا الإبداع (الذي يختصون وحدهم بتعريفه وتحديده) ولو بالدفع باعتبارات مجافية للدين والقيم والتقاليد والأعراف.

والواقع أن هذه القضية تحيط بها منذ البداية التباسات عديدة؛ فالمثيرون لها يستخدمون لفظة لها وقع خاص وإيحاءات جذابة هي مصطلح «الإبداع» ولا يستخدمون المصطلحات الأدق وصفًا؛ مثل: التأليف، أو التعبير، أو الكتابة، أو حتى التشكيل الفني أو الأدبي، ومصطلح «الإبداع» يُوجِد هالةً من القداسة حول الأعمال الأدبية والفنية؛ كما أنه -وبذكاء- يحصنها من النقد الذي يميز بين الجيد والسيئ؛ ذلك لأنه إذا كان كل ما يقدم في هذه الأعمال يوصف بأنه «إبداع»؛ أي تأليف متفرد متميز وعبقري، فإن يد النقد تغل عنه؛ لأن الناقد -سواء كان ناقدًا للمضمون أو للشكل- لن يرقى إلى مكانة المبدع الذي يفترض (حسب التعريف) أنه في مرتبة أعلى وأسمى.

وهذا الطرح لمصطلح «الإبداع» يرتكز على أصول معينة معروفة في التراث الإنساني منها تصور الشاعر على أنه شخص يتلقى الوحي والإلهام من بعض معبوداتهم أو شياطينهم، أو رؤية الحركة الرومانسية الأوربية للأديب والفنان (كنبي) أو ملهم له رؤية ثاقبة في الكون، والحياة لا يصل إليها سواه من الأفراد العاديين الذين هم لذلك في مرتبة أدنى منه.

كذلك فإن حركة الحداثة الأدبية والفكرية في الغرب شاركت سابقتها الرومانسية (ولو لاعتبارات جد مختلفة) في النظر للأديب والكاتب والفنان باعتباره من طينة بشرية أسمى وأرقى؛ ليس لأنه يتلقى الإلهام؛ بل لأنه صاحب إحساس وذوق وقدرات تخيلية أرقى ممن حوله من الناس العاديين المنغمسين في المادة وسياقات الحياة التي أولع دعاة الحداثة بالحط من شأنها..

ويتبين من ذلك أن مصطلح «الإبداع» أو ما يسمونه (الخلق الفني) تحيط به في الاستخدامات الغربية المتنوعة وعلى مدى تاريخ الثقافة الغربية هالة من القداسة من ناحية، وإيحاءات من الناحية الأخرى تضع ذلك «الإبداع» والمنتجين له في مواجهة صدامية عنصرية مع مجتمع ينفرون منه، ويتعالون عليه، ويسعون إلى إيجاد نظام خاص بهم من القيم والرؤى والسلوكيات في مواجهته.

والحق أن مستخدمي وناقلي مصطلح «الإبداع» في الأوساط العربية والإسلامية ينحون بشدة إلى هذا المعنى الأخير، حتى وإن بدا من كلامهم أنهم يقصدون فحسب ذلك التقديس الساذج وغير المسوَّغ للأعمال الأدبية الذي يتجلى في كتاباتهم؛ ففي نهاية المطاف نجد أن المنظور الذي ينطلق منه الحديثُ المكرر والملحّ عن الإبداع والمبدعين في كتابات ناقلي مصطلح «الإبداع» عندنا هو المنظور الحداثي الغربي الذي لا يركز على إلهام ميتافيزيقي للمبدع ولا على رؤية سامية في ذهنه، بل على كونه مبتدعًا لقيم اجتماعية جديدة تقف في مواجهة القيم السائدة الموصوفة بالجمود والتخلف والتقليدية.

وتتضح الصورة أكثر عند طرح هذا الموقف في المجتمعات الإسلامية؛ فإذا كان حداثيو الغرب يطرحون قيمًا جديدة خاصة بنخبتهم في مواجهة ما يسمونه بالقيم البرجوازية السائدة، فربما يكون في هذا الرأي بعض الوجاهة لطبيعة هذه القيم المادية والمتولدة عن مجتمع رأسمالية القرن التاسع عشر. أما عندما يطرح دعاة «الإبداع» المحليون قضية الإبداع فإن القيم المرفوضة والمطلوب إقصاؤها تصبح هي القيم الإسلامية؛ في حين تصبح القيم الجديدة التي يروج لها «المبدعون» من خلال الأعمال الأدبية والفنية هي قيم النخبة الغربية المعنية (النخبة الحداثية) التي تتلخص في معاداة المجتمع القائم ومصادمة قيمه؛ من خلال التركيز مثلا على نبذ العقيدة الدينية وطرح الأخلاق جانبًا، بحجة أنها زائفة أو غير صالحة. وينقل «المبدعون» المحليون هذه المواقف والتصورات بلا تدبر ولا نقد، باعتبارها هي المضمون الوحيد لفكرة «الإبداع» الفني دون الالتفات إلى كونها نبتَ بيئةٍ معينة وسياق تاريخي وثقافي واجتماعي خاص لا يجوز نقله كنقل النسخة.

إن الإبداع في التراث العربي كان يُنظر إليه دائمًا وعلى مر العصور على أنه مرتبط بالدين، ولا نستطيع أن نتحدث عن إبداع عربي دون أن ندخل في الاعتبار العامل الأساسي وهو الرؤية الإسلامية، إضافة إلى ما تمتاز به الحضارة العربية من مقومات كثيرة.

إن الإبداع أدبًا ونقدًا إذا أسس على الاقتباس من النص الإسلامي، علاوة على ما يمنحه للأدباء من قراءة واعية للقرآن الكريم والحديث الشريف، فإن هذا التأسيس يمثل حصنًا منيعًا أمام محاولات وغارات الاجتياح الثقافي والروحي للأمة، ولكم دفع المسلمون ثمنًا باهظًا للتضاد القائم بين خطابهم الأدبي ورسالتهم العقدية. ثم لمصلحة مَن يَغيب أو يُغيّب إسلامُنا عن أدبنا؟ حتى بلغ الأمر أحيانًا إذا ذُكر الدينُ في معرض الحديث عن الأدب، اشمأزت قلوبٌ كثيرة، وإذا ذكر ما دونه أو من دونه إذا هم يستبشرون.

* موقف الأدب الإسلامي من الإبداع بمعناه الحقيقي:
والحقيقة أن الأدب الإسلامي راعى في التعريف الموضوع له جانبَ الإبداع الفني؛ فنجد في تعريفه أنه (التعبير الفني الهادف) فكلمة الفني شرط في الأدب، إذ إن من أهم الفوارق بين النص الأدبي وغيره (الإبداع الفني الذي يحقق المتعة)، وهذا الإبداع لا يخضع لشروط مقننة محددة، وإنما هنالك إطار عام متعارف عليه في مجال الأدب؛ من سلامة اللغة، وحسن الأسلوب، وصدق التجربة الشعورية، وجمال التصوير، ثم إن للكاتب أو الشاعر بعد ذلك أن يتفنن في أدبه بما يحقق المتعة الفنية، طولا وقصرًا، رمزًا وإيحاء، أو وضوحًا ومباشرة، وهذا الجانب الفني ليس وقفًا على أحد، بل هو مشاع بين الأدباء على اختلاف مشاربهم ولغاتهم، يبدع فيه من يبدع ويخفق فيه من يخفق، وإذا تحقق في النص الأدبي ذلك الإطار العام للإبداع الفني، فليس من حق أحد من النقاد أن يلغي هذا الجانب في نص ما بسبب اختلاف وجهات النظر.

وعندما يُعنَى الأدب الإسلامي بجانب الإبداع الفني فإنه لا ينطلق في ذلك من التقليد للآخرين، وإنما يعتمد على رؤية إسلامية أصيلة، عُني بها القرآن الكريم في أسلوبه المعجز. كما عني بها أشد العناية الرسول -عليه الصلاة والسلام- أما عناية القرآن الكريم فهي واضحة لكل مسلم يقرؤه بتدبرٍ.

وأما عناية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجانب الفني فتؤكدها الروايات الصحيحة في هذا المجال. ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعا الشعراء إلى المنافحة عن الإسلام، فأنشده عبد الله بن رواحة فلم يُرْضِ، وأنشد كعب بن مالك فلم يُرْضِ، ثم بعث إلى حسان ودعا له وقال: «إن روح القدس -يعني جبريل عليه السلام- يؤيدك»، ونتساءل هنا: ما الذي جعل الرسول عليه الصلاة والسلام يختار حسان ويفضله على صاحبيه، مع ما نعلم من حبه -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك؟

إن الإجابة الشافية عن هذا السؤال موجودة في كتب الأدب التي جعلت حسان بن ثابت فحلا من فحول الشعراء، فهو من الشعراء البارزين في سوق عكاظ، وقصصه في التنافس مع فحول الشعراء معروفة، وقد ذكر ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء أن حسان يعد أشعر أهل القرى؛ يعني بذلك مكة والمدينة والطائف، وشعر حسان دليل على قدرته الفنية.

إذن فاختيار الرسول -صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت لم يكن اختيارًا عشوائيًا، وإنما كان مبنيًا على رؤية نقدية واضحة، كيف لا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الخبير بمواطن القوة والضعف في اللغة العربية، أليس هو الذي قدّم حسان عندما جاء إليه وفد تميم، وكان حسان حينها غائبًا، فانتظره حتى جاء فألقى قصيدته المعروفة:

إن الـذوائـب مـن فـهـر وإخـوتـهــم        قـد بـيّـنـوا سـنَّـةً لـلـنـاس تـتَّـبـع

حتى قال وفد تميم: إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أبلغ من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا، ومما يؤكد عناية الإسلام بالجانب الفني في الأدب ما نقله السيوطي في (الدر المنثور) أن ثلاثة من كفار قريش هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل لعلي: اهجُ عنا هؤلاء القوم، فقال: إن أذن لي رسول الله فعلت، فقال -عليه الصلاة والسلام- : ليس هناك، ثم دعا الأنصار لذلك فقال حسان: أنا لها.

لماذا حسان؟؟
لأنه شاعر فحل قادر على تصريف الكلام وصياغته بأسلوب فني رفيع. ليس هناك تفسير غير هذا، ولو لم يكن مقياس الاختيار فنيًا، لما اختار الرسول -عليه الصلاة والسلام- حسان، ولكنها الإجادة في الشعر قدمت حسان بن ثابت هنا.

إذن فالإبداع الفني شرط رئيس لا يمكن التنازلُ عنه من قبل الأديب المسلم، وهذا الإبداع متوفر في الأدب الإسلامي قديمه وحديثه وإنما تجاهله من تجاهل، وعمي عنه من عمي، خاصة بعد أن استحكمت (الشللية) في ساحة الأدب فأصبح التصنيف مبنيًا على آراء شخصية، نصيب العدل والإنصاف فيها قليل.

أما قضية الوعظ والإرشاد فهي من القضايا التي يظلمها كثير من النقاد المعاصرين، فهي ليست عيبًا فنيًا في ذاتها، وإنما تكون عيبًا حينما يقف عندها الأديب فلا يتجاوزها، أو عندما يقدمها إلى الناس خالية من التصوير الفني، والأدب الإسلامي ينظر إلى النصوص الأدبية التي تحمل وعظًا وإرشادًا بمنظار فني دقيق، فإذا توافر فيها الإبداع الفني صياغة، وخيالا وصدقًا في التجربة فهي أدب جميل، وإن كانت وعظًا، وإذا لم يتوافر لها ذلك الإبداع فهي غير مقبولة فنيًا.

إن من الأدب الوعظي ما هو في قمة الإبداع الفني، وما شعر أبي العتاهية عنا ببعيد، وفرق كبير بين شاعر يتحدث عن الموت حديثًا جامدًا جافًّا، وبين آخر يصور لنا وقع الموت على نفسه تصويرًا يدفعنا إلى التفاعل معه والتأثر به.

إن في حكم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على شعر زهير بن أبي سلمى رؤيةً نقدية جديرة بالاهتمام، وهي مرتبطة بالجانب الفني؛ إذ وصفه بقوله: كان لا يعاظل في كلامه ولا يأتي بوحشي اللفظ ولا يمدح أحدًا إلا بما فيه.

ففي هذه المقولة إشارات نقدية فنية. فكلمة (عاظل) في مدلولها اللغوي تعني الاضطراب وعدم التنسيق، فهي في القاموس تعني تراكم الأشياء فوق بعضها دون ترتيب، فأنت تقول: عظل الجراد، أي ركب بعضه بعضًا، وعاظل فلانٌ في كلامه، أي : عقّده ووالى بعضه فوق بعض وكرَّره، وتقول : عاظل الشاعر في القافية: أي علَّق قافية البيت بما بعده على وجه لا يستقلُّ بالإفادة، وتقول عاظل في الكلام: أي أتى بالرجيع من القول.

فمعنى المعاظلة هنا إخلال بفنية القول، وذلك ما لا يقع فيه الأديب المبدع أو الشاعر المجيد، فهنا مراعاة واضحة للجانب الفني من قبل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ومثل ذلك قوله: ولا يأتي بوحشي اللفظ. إنها عبارة دقيقة تدخل في صلب الإبداع الأدبي، ثم يشير عمر بن الخطاب إلى قضية أدبية مهمة تحدّث وما يزال يتحدّث عنها النقاد كثيرًا، ويعدونها شرطًا من شروط الإبداع في النص الأدبي ألا وهي (صدق التجربة الشعورية) فكلمة (لا يمدح أحدًا إلا بما فيه) توحي بهذا الجانب الفني المهم.

ومن هنا كانت قضية (الإبداع الفني) أصيلة في الأدب الإسلامي؛ إنها تنبع من الرؤية الإسلامية الناضجة للأدب بصفة عامة، وليس قضية عابرة، ولا أمرًا وافدًا علينا، والأدب الإسلامي يرى أن الإبداع الفني ينبثق من التراث الإسلامي أصلا، ثم يفيد من التجارب الحديثة، أي أنه يُبنى على قاعدة أصيلة، فهو ليس قفزًا في الهواء.

إن شبهة إهمال الأدب الإسلامي للإبداع الفني باطلة، وإنما روج لها أدونيس وأمثاله؛ الذين لا ينظرون إلى الماضي، ولا يرتبطون بتراثهم إلا بما يخدم وجهة نظرهم المحددة القائمة على التساؤل الرافض لكل شيء يمت إلى أصالة الأمة الإسلامية القائمة على الدين بصلة، وبهذا يقولون بوجوب تبني المشروع الحداثي الذي يعني أن نتساءل عن الدين والشعر ما هما، أي دين وأي شعر؟؟

أما الأدب الإسلامي فهو يعرف الدين تمامًا، ويعرف الشعر والأدب. ولهذا فهو يشكل نقطة الضوء التي يمكن أن يستدل بها الجيل في سراديب الأدب المعاصر المظلمة.

الأدب الإسلامي أرحب صدرًا وأوسع أفقًا مما يتصورون. إنه يستوعب كل الهموم وكل التطلعات ولا يضيق بخواطر النفس وخطراتها، وآلامها وآمالها. إن الأدب الإسلامي يحفظ ويحافظ على جماليات الفن وموسيقاه، وصوره وخياله ولغته المتميزة.
جميلة بنت محمد الجوفان



أترك تعليق

*